13 يوليو 2026 - 18:59
على المؤمن أن يردّ على البغي والعدوان

إن الذين يقع عليهم البغي يجب أن يبادروا إلى التصدي له، والعمل على دفعه، دون أن ينتظروا أن يتولّى عنهم غيرهم الأخذ بحقهم.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴿الشورى:39﴾.
 
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق آيات ذكرت مجموعة من الصفات التي يتصف بها المؤمنون، من توكلهم على الله تعالى، واجتنابهم كبائر الإثم والفواحش، وسيطرتهم على غضبهم، وصفحهم عمن أساء إليهم، وغفرانهم لمن تجاوز عليهم، واستجابتهم لأوامر الله، وإقامتهم الصلاة، واعتمادهم مبدأ الشورى في أمورهم العامة، وإنفاقهم مما رزقهم الله في سبيله، وأنهم إذا بغى عليهم أحدٌ يقاومونه ويحاربونه لرد بغيه وعدوانه، فلا يقبلون الظلم، ولا ينزلون على حكم الظالمين، ولا يخضعون لباغٍ، ولا معتدٍ آثم، بل إنهم حرب على الظلم وأهله، يبذلون في سبيل ذلك كل جهدهم، وما ملكت أيديهم حتى إنهم ليقدمون أنفسهم ويشرونها لله من أجل إقرار الحق، وإعلاء كلمته، والضرب على يد الباطل، وتنكيس رايته، وليس الجهاد في سبيل الله، والاستشهاد في ميدان الجهاد، إلا صورة من صور دفع الظلم في أبشع صوره، ورد البغي في أقبح وجوهه.
 
وسواء أكان البغي الذي يصيب المؤمن بغيًا واقعًا عليه هو في ذات نفسه، أو واقعًا على الجماعة التي ينتمي إليها، فإن المؤمن مطالب أخلاقيًا وشرعيًا، إن لم يكن حَمِيَّة وأَنَفَةً- أن يدفع هذا البغي، ويردَّ ذلك العدوان، ولا يجوز له أن يقبل ظلمًا يقع عليه أو على وطنه أو أمته، لأن ذلك يجرِّئ الظالم على المزيد من الظلم، ويحمل الباغي على مزيد من البغي.
 
إن الذين يقع عليهم البغي يجب أن يبادروا إلى التصدي له، والعمل على دفعه، دون أن ينتظروا أن يتولّى عنهم غيرهم الأخذ بحقهم، والانتصاف لهم مِمّن ظلمهم وتجاوز عليهم،  وإن كان هذا لا يمنع المؤمنين جميعًا أن يساندوهم ويشدوا أزرهم.
 
صحيح أن العفو والصفح من مكارم الأخلاق، ولكن ذلك ليس الخيار الدائم الذي يلجأ إليه المؤمنون، لأن من العفو ما يُصلح المسيء، ومنه ما يزيده إساءة إلى إساءته، فلا يجوز في هذه الحال أن يُرَدَّ البغي بالصفح، والظلم بالتجاوز، لأن ذلك يغريه بالمزيد، لا سيما إذا كان الباغي شيمته الظلم والعدوان والقتل والتدمير والاحتلال، كما هو الحال مع العدو الغاشم الذي يستبيح الأوطان، ويدمّر العمران، ويقتل الناس بغير حق، ويريد أن يُهَجِّر أهل الأرض ليحتلها ويقيم مغتصباتٍ عليها، فالسكوت والقعود عن حربه في هذه الحالة جريمة لا تغفر، وخطيئة كبرى لا يُعذَرُ أهلها بحال من الأحوال. 
 
إن المؤمنين أكثر الناس مغفرة وصفحًا وتجاوزًا، وأكثر الناس كرهًا للقتال، ولكنهم لا يقبلون الظلم والبغي بأي حال، لا سيما إذا كان من قوى ظالمة غاشمة، فهم ينتصرون لأنفسهم منها، ويحملهم على ذلك واجب إقامة العدل، ومنع الظالم من التمادي في ظلمه، ولذلك نجدهم في جميع حروبهم منضبطين بحدود الشرع والأخلاق، يردون العدوان  ولا يتجاوزون الحد في رده، فلا يَظلِمون، ولا يدخلون حربًا من غير سبب، وإنما يقفون عند ما يأذن الله به، لأن الغاية رد العدوان وكفّ يد الظالمين عنهم، ولذلك قالت الآية: "إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ" فهي تشير إلى أن المؤمنين لا يبدؤون الآخرين بقتال ناهيك عن العدوان، وإنما يقع البغي عليهم من أعدائهم فيكون انتصارهم دفاعًا مشروعًا، وهذا بالضبط ما رأيناه في الحرب الجارية الآن والتي شَنَّها الكيان المجرم -وراعيه الشيطان الأكبر- علينا في لبنان وعلى الجمهورية الإسلامية واليمن والعراق. فنهض الأحرار لواجب دفع العدوان ورد الظلم الواقع في عليهم. 
 
ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية: "هُمْ يَنْتَصِرُونَ" فإن هذا التعبير يفيد الاختصاص والاهتمام فالانتصار على البغي صفة لازمة لهم، وعلامةٌ من علامات عزتهم، فلا يعرفون الاستسلام للظلم، ولا يرضون بالدَّنِيَّة في دينهم أو حقوقهم، ولا يقبلون أن تتحول المظالم إلى أمر واقع يفرضه البغاة بقوة السلاح والبطش.
 
نستنتج مما سبق قاعدة مهمة وهي أن مقاومة البغي والعدوان والظلم ليست خيارًا واجبًا تتعيّن به حماية المجتمع، لأن الظلم إذا تُرك بلا مقاومة استشرى، وإذا لم يجد من يرده تحوّل إلى سُنَّة يتسلَّط بها الأقوياء على الضعفاء.

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
........
انتهى/ 278

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha